عمر السهروردي

61

عوارف المعارف

فأما المرادون فتبقى عليهم الأعمال والنوافل وفيها قرة أعينهم . وهذا أتم وأكمل من الأول . فهذا الذي أوضحناه أحد طريقي الصوفية . فأما الطريق الآخر ، طريق المريدين ، وهم الذين شرطوا لهم الإنابة فقال اللّه تعالى : وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ( 13 ) « 1 » . فطولبوا بالاجتهاد أولا قبل الكشوف قال اللّه تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ( 69 ) « 2 » . يدرجهم اللّه تعالى في مدارج الكسب ، بأنواع الرياضيات والمجاهدات ، وسهر الدياجر طمأ الهواجر ، تتأجج فيهم نيران الطلب ، وتتحجب دونهم لوامع الإرب ، يتقلبون في رمضاء الإرادة ، وينخلعون عن كل مألوف وعادة ، وهي الإنابة التي شرطها الحق سبحانه وتعالى لهم ، وجعل الهداية مقرونة بها ، وهذه الهداية آنفا هداية خاصة ، واهتدوا إليه بعد أن اهتدوا له بالمكابدات ، فخلصوا من مضيق العسر إلى فضاء اليسر ، وبرزوا من وهج الاجتهاد إلى روح الأحوال ، فسبق اجتهادهم كشوفهم ، والمريدون سبق كشوفهم اجتهادهم . أخبرنا الشيخ الثقة أبو الفتح محمد بن عبد الباقي قال : أنا أبو الفضل أحمد ابن أحمد ، قال : سمعت محمد بن عبد اللّه الرازي يقول : سمعت أبا محمد الجريري يقول : سمعت الجنيد رحمة اللّه عليه يقول : ما أخذنا التصوف عن القيل والقال ، ولكن عن الجوع ، وترك الدنيا ، وقطع المألوفات والمستحسنات . فقال محمد بن خفيف : الإرادة سمو القلب لطلب المراد ، وحقيقة الإرادة استدامة الجد وترك الراحة .

--> ( 1 ) سورة الشورى آية : 13 . ( 2 ) سورة العنكبوت آية : 69 .